لا تصفوه بشاعر القضيّة
قولوا عنه شاعر القيامة الأولى وسيّد الوطن الجريح
بين ضوء الكلام وظلمة الزمن عاش
يحلم بروما وببلاد يشتهيها في سرير غريبته
يسائل أماكنه الأصلية في الواقع والذاكرة
تربطه هوية ضائعة بعالم يزداد غربة وقسوة يوماً بعد يوم
وآه ريتّاه الكحليّة في خندق الذكريات
تكتب أبجدية للصمّت
شاعراً كان
لكنّ الكلمات خجلت من خصب يده
فيبست قصائد آخرين
كان تاريخاً لصوت يحفر اشكالاً من الفرح في صخور الجليل
كثيراً ما ألقوا القبض عليه بتهمة ارتكاب الحلم
فأعطوه فرصة ليرى ولادة الشمس خلف مئذنة الله
كان اذا ما فكّر بالوطن العربي حوله
اختلطت الغصّة بالحلم
وانتظر لتتجدّد مدّة النسيان
لم يجد في الخريطة يوماً اجابة
لأن الوطن كان حياته وقضيّته وأكثر من ذلك بقليل كان هويّته
كثيراً ما كانت فلسطين تفيض من ذاتها الى دمه
لتسكنه في الليل فينكسر صمت وحدته
يمشي على الغيم أو أعلى بقليل
ويرى ما لا يرى
بين الضباب الكثيف في واقعنا
يراقب عاشقان يرقصان الفلامنكو
على تراتيل جيتارة نسجا ألمها وتراً وتراًَ
يتأمّل النبيذ في الكأس قبل أن يتذوّقه
كان يرى فيه فلسطينيّاً ليله تاريخ من الحنين
الى أوّل حبّ رضعه من نهدي قمر
يطلّ من شرفة السّماء على حلم ضائع
بين القرارات الضائعة والأختام المنفيّة
اثر فراشته ما زال يسكنني
أثر فراشته لا يزول
فلم يكن ضيفاً على الأشياء
لكنّ الحياة مرّت ببابه قصيدة
فكان اله بعينين تتسعان لكلّ خريف
لم يكن ليكفيه متران من تراب لطالما عشقه
فله في كلّ قلب ينبض ذكرى
وفي كلّ جرح ينزف أنّة
لم يكن لنفسه
كان دموعاً لأم الشهيد لزوجته لأخته
كان سنابلا شقّت جفاف أرض قاحلة وأخضرّت مع الندى
كان طبيباً لشعب ينزف وطنا
قبطاناً لسفينة الأمل
وعهداً لعاشقين ينقشان على جسديهما صوراً بحبر السّماء
فاذا كنت آخر نفس للآلهة على ضفاف الخلود
فاسكن بلاداً على أهبة الفجر
واصنع غدنا رويداً رويداً وكما تشاء
واعجن خبزنا بزيت كرملك
وامرغ وجوهنا برمله علّنا نصحو من ثبات الولادة
قيّد أحلامنا بسلاسل من ورود على مقاعد القطارات العائدة
فلنا فيك من الأغاني ما يكفي لايقاظ العالم
فقد كنت جسراً للحبّ في هذا الكون الموحش
فارقد بسلام
تحت سبع سنابل خضراء وبعض شقائق النّعمان
المعطّرة بخبز أمّك الّتي تنتظرك بدمعتين ووردة
ويا موت لا تفخر بنفسك
فلم يعطك فرصة
الّا بعد أنم هزم موت الفنون جميعها
ولم يوجعه شيء على باب القيامة
وركع له أحد عشر كوكباً والشّمس والقمر
وكانت له تراتيل العشّاق
أسماء السّاحات
دموع الغياب
ضحكات الأمل
صرخات الثوّار
دماء الشهداء
قبل العشّاق
بداية الأمل ونهاية الألم
حليب البلاد
هتاف الأمواج
زهور مشبعة بالنّدى
واحلام العودة
فلم يكن رحيله سوى صرخة توقظ حلم انسان
ربما ما زال موجوداً
في مكان ما وراء النّدى
يقرأ لوركا والمتنبّي
لكنّه بالتأكيد صار ما يريد
بل أكثر ممّا نملك من قدرة على الاستيعاب
هبة الرومي