درويش... يا هذا العظيم *
عبد الرحمن سبأ
"حاصر حصارك ... لا مفرّ
سقطت ذراعك فالتقطها
واضرب عدوّك ... لا مفرّ
وسقطتُ قربك ، فالتقطني
واضرب عدوّك بي ... فأنت الآن حرُّ " (محمود درويش )
ها قد سقطت ذراعي فمن يلتقطها وقد علوتَ يا درويش وحدك؟ فهنا تترجّل الكلمات عن صهوة المعنى، عجزاً عن استقصاء فضاء كبيرٍ كدرويش لا شفقةً بنا. أورق الشعر على يديه، وأزهرت الكلمات على شفتيه، حمل القصيدة وأطعمها قلبه، فأينعت وآتت أكلها حباً وعشقاً وطهراً، وطارت بهمّه الإنساني بلا أجنحة متجاوزةً حدود الزمان والمكان.
درويش .. يا عصفور الجليل، يا نبيّ الشعر، يا ناسك الوطن، ويا عاشق فلسطين، لقد هزمت الموت حيّاً وميتاً، وقهرت المنفى، ونصرت القضية التي عشتَ من أجلها حين خذلك العالم أجمع.
حملتَ غصن الزيتون فارتعدت فرائص الغاصبين، وزعموا أنهم سيحمون الحدود حتى من الحنين. درويش... يا وجعاً يئنُّ له الفضاء الرحب .. أنت من علّمتنا أن الموت صفحةٌ جديدةٌ في حياة العظماء والأبطال، فكيف لنا أن نقرّ برحيلك؟! أنت لم ترحل، ولكنّا من فقدنا القدرة على التنفّس بعد أن أخذت شمعتُك/ القصيدة ُ استراحة محاربٍ لتعلن ثورتها مرةً أخرى.
كم كنتَ مشتاقاً إلى خبز أمك، وكم عشقتَ عمرك لأنّك تخجل من دمع أمك، وكم نحن اليوم نشتاق إليك، ونكره أعمارنا لأنّا نخجل منك، في كبريائك وشموخك، في الحياة وفي الممات؛ لأننا عاجزون عن حمل ذلك الهم الإنساني الذي حملته بصدقٍ وإخلاصٍ، فكنتَ وحدك سيّد الحرف وربّ المعنى.. لأننا عاجزون عن إيفائك حقك .. نعم .. نخجلُ، وأخجلُ منك. ماذا عسانا، وماذا عساها الكلمات أن تقول في عظيمٍ مثلك يا درويش؟! توقف قلبُك يا درويش، وعاش نبض قصيدتك، استراح قلبك فنهضتْ جداريّتك الخالدة تقول:
"وجدتُ نفسي حاضراً ملء الغياب
وكلما فتّشتُ عن نفسي وجدتُ الآخرين
وكلما فتّشت عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبة
هل أنا الفرد الحُشُودُ ؟"
سلامٌ عليك يا درويش .. يوم ولدتَ ، ويوم توقّف قلبك، ويوم تبعث حيّا ..
*(ألقيت في الفعالية التأبينية التي أقامها منتدى مجاز الأدبي الثقافي (إب – اليمن)، بعد رحيل الشاعر العظيم محمود درويش: 2008/8/20م).